بن عيسى باطاهر

210

المقابلة في القرآن الكريم

بكلام لفظه قليل ، ومعناه واف ، وهو إن اتفق له في الموضع الواحد والموضعين ، فلا يتفق له في جملة الكلام شعرا أو نثرا . خذ من القرآن مقدارا من الكلام ، وقارنه بما يساويه من كلام البلغاء تجد عجبا ، ثم أنظر أي الكلامين تستطيع أن تتناوله بالتعديل أو التبديل دون أن تخلّ بمعناه ، ولو نزعت منه - أي القرآن - لفظة ثم أوردت لسان العرب لتضع موضعها لفظة أحسن منها لم تجد . ب - ومن خصائص أسلوب القرآن خطاب العامة ، وخطاب الخاصة : وهاتان غايتان تقصر عنهما همم الناس ، فمن يخاطب منهم الأذكياء بالواضح المكشوف نزل بهم مستوى لا يرضونه ، ومن خاطب العامة باللمحة والإشارة حملهم على ما لا يطيقون . ولا تجد هذه الميزة إلا في القرآن الكريم ، والناس جميعا لا يستطيعون أن يحسنوا هذا الصنيع لما فيه من عسر ومشقّة ، وضرورة معرفة طبائع البشر ونفوسهم . ج - ومن خصائص أسلوب القرآن إقناع العقل وإمتاع العاطفة : لا يمكن أن تجد بليغا يفي في كلامه بحاجات النفس العقلية وحاجاتها الوجدانية ، لأن حاجة كل واحدة منهما غير حاجة الأخرى ، أما في القرآن فإنك تجد ذلك في أجمل صورة ، وأوضح بيان . د - ومن خصائص أسلوب القرآن أيضا البيان والإجمال : وهذه أيضا من الخصائص التي انفرد بها القرآن الكريم ، لأن الناس إن عمدوا إلى تحديد أغراض لم تتسع لتأويل ، وإذا أجملوها ذهبوا إلى الإبهام والإلباس ، أو اللغو الذي لا يفيد ، أما القرآن فإنه يستثمر برفق أقل ما يمكن من الألفاظ في أكثر ما يمكن من المعاني ، يستوي في ذلك مواضع إجماله التي يسميها الناس مقام الإيجاز ، ومواضع تفصيله التي يسمونها الإطناب « 1 » .

--> ( 1 ) النبأ العظيم - محمد عبد اللّه دراز - ص 111 .